الفيض الكاشاني

301

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

ليس بضروريّ لأنّ حبّه ليس بضروريّ . القسم الثالث : ما يكون ضروريّا في حقّ بعض الناس دون البعض كالكتاب مثلا للعالم فإنّه مضطرّ إليه فيحبّه فيغضب على من يحرقه ويغرقه وكذلك أدوات الصناعات في حقّ المكتسب الَّذي لا يمكنه التوصّل إلى القوت إلا بها فإنّما هو وسيلة إلى الضروريّ ، والمحبوب يصير ضروريّا ومحبوبا وهذا يختلف بالأشخاص وإنّما الحبّ الضروريّ ما أشار إليه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بقوله : « من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنّما حيزت له الدّنيا بحذافيرها » ( 1 ) ومن كان بصيرا بحقائق الأمور وسلمت له هذه الثلاث يتصوّر أن لا يغضب في غيرها ، فهذه ثلاثة أقسام فلنذكر غاية الرّياضة في كلّ واحد منها . أمّا القسم الأوّل : فليست الرّياضة فيه لينعدم غيظ القلب ولكن لكي يقدر على أن لا يطيع الغضب ولا يستعمله في الظاهر إلا على حدّ يستحبّه الشرع ويستحسنه العقل ، وذلك ممكن بالمجاهدة وتكلَّف الحلم والاحتمال مدّة حتّى يصير الحلم والاحتمال خلقا راسخا ، فأمّا قمع أصل الغيظ من القلب وذلك ليس مقتضى الطبع فهو غير ممكن ، نعم يمكن كسر سورته وتضعيفه حتّى لا يشتدّ هيجان الغيظ في الباطن وينتهي ضعفه إلى أن لا يظهر أثره في الوجه ولكن ذلك شديد جدّا وهذا حكم القسم الثالث أيضا لأنّ ما صار ضروريّا في حقّ شخص فلا يمنعه من الغيظ استغناء غيره عنه فالرّياضة فيه تمنع العمل به ويضعف هيجانه في الباطن حتّى لا يشتدّ التّألَّم بالصبر عليه . وأمّا القسم الثاني : فيمكن التوصّل بالرّياضة إلى الانفكاك عن الغضب عليه إذ يمكن إخراج حبّه من القلب ، وذلك بأن يعلم الإنسان بأنّ وطنه القبر ومستقرّه الآخرة وإنّما الدّنيا معبر يعبر عليها ويتزوّد منها قدر الضرورة وما وراء ذلك فهو عليه وبال في وطنه ومستقرّه فيزهد في الدّنيا ويمحو حبّها

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ج 9 ص 208 وابن ماجة تحت رقم 4141 . وفي النهاية الحذافير الجوانب ، وقيل : الأعالي وأحدها حذفار وقيل حذفور أي فكأنما أعطى الدنيا بأسرها .